كمشرفين على
الثقافة ، ومن خلال عملنا الميداني في حقل النشاط الثقافي ،
مهما كان حجمه أو طبيعته ، وقفنا عند حقيقة أضحت قاعدة، و هي
أن نسبة النجاح و تحقيق الأهداف المرجوة من تنظيم أي مهرجان
فني أو أدبي ، لا تكون عالية ما لم يتم ضبط المعطيات
الإستراتيجية وفق قراءة المحيط العام الإقليمي و القطاعي ، و
من ثـم وضع تصور شامل لمجريات و مسار مختلف مراحل
المهرجان و جوانبه المتعددة : التنظيمية ، الوظيفية ،
القانونية ، الاقتصادية و التقييمية أي : التخطيط الجيد
لمكونات مركب يدعى المشروع .
و الواقع هو أن هذه القاعدة لا
تقتصر على النشاط الثقافي فحسب ، و إنما تنطبق على باقي
النشاطات سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية ، فتصوروا مجريات
عرس اجتماعي لم يتم التخطيط له بدقة و الدراسة القبلية لجوانبه
المختلفة كمشروع .
إلا أن العمل الثقافي يتطلب
تدقيقا و ضبطا أكثر للمشاريع ، و ذلك لخصوصيات القطاع سواء تلك
المتعلقة بنوعية و طابع النشاط في جانبه الفني أو الأدبي ،
والذي يقتضي لا محالة الدراسة الجادة أو تلك المتعلقة بقياس
درجة الإبداع الأدبي أو التأثـير علـى الـذوق الجمالي للجمهور
المستقبل للرسالة الثقافية .
بناء على هذه الخصوصيات و تلك القاعدة ، ينبغي أن يصمم
المشروع الثقافي وفق منهجية معينة ،و يراعى فيه احترام
خطوات و مراحل الإنجاز و كذا الحرص على نوعية و كيفية
التحرير الكتابي و العرض العام .هذا التقييم الذي يبنى على
أساس المعارف المكتسبة و كذا على دراسات حالات الواقع باختلاف
المعطيات الإقليمية و القطاعية جسده علماء
المنهج و منظرو المناجمنت
(Management) الثقافي ضمن منهجية
تتناول بالتسلسل الإلزامي مايلي :
في هذه المرحلة الإبتدائية
نتناول بالعرض و التحليل ، المفاهيم و المعطيات التي تضبط
السياق أو المحيط العام الذي يندرج ضمنه المشروع .
و هنا ينبغي تعريف و تحديد
الغايات ( Finalités) من المشروع في المقام الأول ، أي
ما هي الفلسفة أو الهدف النهائي الأسمى من المشروع ؟ كأن نقول
غاية تنظيم الجلسات العلمية الأثرية لبلدية تازا – برج الأمير
عبد القادر (تسمسيلت ) هي تكوين مجتمع حضاري من خلال ترسيخ ،
ترقية و تثمين التراث المادي ( المعالم الأثرية ) . كما أنه
علينا ، في ذات السياق ، توضيح أهمية المشروع و تأثيره على
المحيط الجمعي ؛ و من الضرورة أيضا تبرير
الخيارات الجوهرية لمتغيرات المشروع ( كالجمهور المستهدف ،
المواقع ، الزمن ..)
غايات المشروع
يمكن أن تتجلى أيضا من خلال تحليل
الخصائص ، الحاجيات ، الطلب أو الإشكالية التي يهدف
المشروع إلى تغطيتها . المشروع الثقافي غالبا ما تتمثل غايته
في مبرراته القانونية ، الإديولوجية ، التاريخية و الإجتماعية
ٍو المؤسسة كمراجع قانونية أو واجتماعية أو دينية ينبغي
الإلتـزام بها لتحقيق غايات عليا .
الديناميكية الإقليمية
هي ثاني نقطة في دراسة الأسس
السياقية للمشروع ،و نقصد بها دراسة الأثر الذي يمكن أن يتركه
البعد الإقليمي للمشروع ، هذا الأخير ، يعطي محيطا إقليما ،
يتميز بخصائص عامـة تتمثــل فـي :
المواصفات العامة للإقليم من نمط
العمران ، الحدود و الإمتداد الإقليمي ، نمط التعمير كتوزيع
السكان على المساحات و شبكات الطرق ...إلخ
المعطيات الديمغرافية
عدد السكان ( حسب الجنس و مختلف الشرائح ) ، أصل
السكان حركة الهجرة ، تقديرات النمو الديمغـرافي مستقبــلا .
المعطيات الاجتماعية
الأقليات العرقية و الدينية ، القيم و العادات الإجتماعية ، مستويات التعليم و التكوين.
المؤشرات الإقتصادية
توزيع السكان حسب الأنشطة الإقتصادية ، و مستوى الدخل، معدل
البطالة .
معطيات ثقافية عامة
جرد
الجمعيات الثقافية ، التجهيزات و الهياكل الثقافية ، مستوى
العطاء و الاستهلاك الثقافي.
العلاقات مع باقي الأقاليم
العلاقات الإدارية ، الإقتصادية و الثقافية
كما ينبغي تحليل الديناميكيات الموجودة بين الإقليم و الثقافة
، أي مدى تماسك و تطابق الهوية الثقافية في إطار الإقليم
الواحد ؛ و هنا لابد من ابراز الجوانب التي تدعم وحدة الشخصية
الثقافية في الإقليم كالتراث أو الدين مثلا ؛ و عكس ذلك ذكر
الخلل أو الصعوبات التي تعترض التنمية الثقافية للإقليـم .
3 . الديناميكية
القطاعية :
إذا
كانت النقطة السابقة تتناول الإقليم ، فإننا هنا نتناول
الجوانب ذات الصلة بالقطاع أو بالموضوع ، فلابد بداية من تعريف
القطاع الرئيسي و القطاعات الفرعية للمشروع ، كما أنه من
الضروري معرفة البعد الاجتماعي ، القانوني ، الإقتصادي ،
المهني و الهيكلي للقطاع فمثلا بالنسبة للجلسات العلمية
الأثرية لتازا فالقطاع الرئيسي هو التراث الثقافي بينما
القطاعات الفرعية فهي :
× الحفريات
الأثريـة .
×
المحاضـــرات .
×
ترميم المعالــم .
ضبط موقع المشروع في نطاق السياسات الأخرى
المشروع الثقافي يصمم على أساس و
في إطار سياسة ثقافية معينة ، و من المؤكد أن السياسة الثقافية
تتقاطع عادة مع بعض السياسات الأخرى في الإقليم ، كالسياسة
الاجتماعية ، التربوية ، الاقتصادية فمثلا عيد القمح الذي
تنظمه بلدية تسمسيلت سنويا ، كان كمشروع مهرجان ثقافي اعتمد
على سياسة التحفيز ، التعبير العلمي و الأدبي ( المحاضرات و
الندوات)و الفني ( المعارض و العروض الفنية ) و هذا لتتقاطع مع
سياسة اقتصادية معينة (تشجيع ودعم زراعة الحبوب و مختلف
المنتوجات الفلاحية الأخرى )
بهذا المنظور، لابد من مراعاة
السياسات الثقافية لمختلف مكونات المشروع كالأعوان و المنظمة
المشرفة عليه و أنه من الضروري أيضا في حالة وجود أعوان أو
هيئات منافسة لنا في نفس القطاع ، أن نضبط مشروعنا الثقافي
مراعين في ذلك صاحب المشروع و طبيعته ، أهداف ، محتوى ، نمط
النشاطات و الجمهور المستهدف و المشرفين على المشروع .
أصل و سوابق المشروع:
أصل أو نقطة
انطلاق المشروع ، نعرف هنا أصل الإقتراح كتطوير سياسة قائمة ،
أو تلبية مطالب و اقتراحات جماعة مهنية أو ايجاد حلول لمشكل
مطروح .
السوابق
المتعلقة بالمشروع ، نعرض فيها الطبعات السابقة له بالتعريف و
الوصف و التحليل و عرض النتائج ، إضافة إلى الرهانات الحالية و
المستقبلية للمشروع .
المشاريع القائمة و المماثلة التي تشترك
معنا في الموضوع ، و تختلف في الإقليم ، سواء أكانت محلية ،
وطنية أو دولية . لا ريب أنها تفيدنا بتجارب
ميدانية نستخلص منها الناجحة فنأخذ بها ، و الفاشلـة
فنتفـاداهـا .
تحليل داخلي للمنظمة المكلفة بالمشروع :
لابد من معرفة مسار هذه المنظمة أي غاياتها و أهدافها و
تجاربها و علاقتها، من جهة أخرى ينبغي تحليل بنيتها الرسمية من
الناحية القانونية ، الهيكلية ، الوظيفية .
بعد هذه القراءة التحليلية للمحيط العام للمشروع بمختلف
معطياته و مرتكزاته، و التي تعطينا مركبا متعدد الأبعاد ، نوظف
كل بعد منه لاحقا ، ننتقل إلى تشخيص المشروع من خلال المرحلة
الثانية من المنهج.
التعريف بالمشروع
هذه
المرحلة الثانية و الهامة من المشروع ، هي التي نعطي فيهـا
صورة واضحـة و كاملـة عـن المشـروع بمختلـف تفاصيلـه .
محتويات المشروع
إعطاء العنوان الرئيسي و العناوين الفرعية ، و تقديم وصف دقيق
للمحتويات أو المواضيع التي يشملها المشروع ، و التي تحقق
الأهداف المسطرة .كما يمكن وصف عوامل التجديد فيه و الطبيعة
التجريبية له .
أهداف و تقدير التقييم
لابد من تحديد الأهداف من المشروع و وصفها حسب الأولويات و كذا النتائج المرتقبة و التي تكون مدمجة قدر الإمكان في الأهداف ، كما يمكن ذكر الأهداف الداخلية للمنظمة المشرفة على المشروع و التي قد تكون خفية عن الجمهور ، كالسعي مثلا لتماسك لجنة التنظيم خلال تنظيم مهرجان ما .
و
لتحقيق الأهداف المسطرة ، و متابعة مسار التقييم ، من الضروري
تحديد و تثبيت مؤشرات لها علاقة بالأهداف و وضع آلية لقياس
المؤشرات و تحيينها كإعطاء عدد (100 )لزوار معرض فني في فترة
معينة (أسبوع ) للحكم على تحقيق هدف الإقبال الجماهيري عليه.
الخطوط الإستراتيجية
لا يخلو أي مشروع من اعتماد استراتيجيات ينبغي تعريفها لتحقيق
الأهداف بفضل تصنيف هذه الإستراتيجيات ، انطلاقا من وجود
استراتيجيات متعلقة بالمحتويات ، و أخرى بالفضاء المكاني أو
الزماني و أخرى بالجمهور المستهدف
فمثلا إعتماد استراتيجية التشجيع و التحفيز المالي لتحقيق
هدف المشاركة الجماهيريـة في مسابقة ثقافيـة .
النشاطـــات
نحدد
النشاطات ، فنصف الرئيسية منها مع تفصيل محتوياتها و مواصفاتها
الخاصة كالفضاءات ، التوقيت ، و الموارد ، مع تبرير
اختيارها كنشاطات رئيسية ثم انتهاج نفس العمل مع النشاطات
التكميلية و ربط العلاقة بين النشاطات الرئيسية و
التكميلية .
الجمهور المستهدف
الجمهور
باعتباره طرفا مهما في معادلة العمل الثقافي ، علينا إيلاءه
أهمية قصوى في الدراسة ، و عليه فمن الضروري تعريفه بشكل عام ،
و تحديد مميزاته الخاصة ( كالعمر ، الجنس ، فئة دينية معينة )
أو الخصائص الإجتماعية الهامة ( كمستوى الدخل ، الدين)، أو
المستوى التعليمي الأكاديميي ، وضعية الشغل ، استعمال وقت
الفراغ ، الممارسات الثقافية ( ممارسة الإبداع ، التكوين ،
الإستهلاك الثقافي ) ، وسائل الإتصال ، آليات إتخاذ القرارات .
نموذج التسيير
في تعريف
المشروع الثقافي لابد أن نحدد نموذج التسيير الذي نعتمده ، و
نحدد المعايير السياسية المتعلقة بالتسيير المباشر أو المنتدب
، كما نتطرق للمعايير القانونية و حاجيات المشروع من الجانب
الإقتصـادي ، التنظيمـي .
و هنا ، لابد أيضا من تعريف و وصف
الأعوان المتدخلين في المشروع : إدارات عمومية ، هيئات ،
مؤسسات و مبادرات خاصة و حتى المهنيين مع إسناد الوظائف لكل
متدخل و ضبط علاقات العمـل بيـن الجميـع ، و بهذه النقطة
(نموذج التسيير) يكون مصمم المشروع قد أعطى صورة تعريفية عن
مشروعه.
3 . إنتاج المشروع
هي المرحلة الثالثة من المنهج ، و فيها ننتقل إلى الخطوات
الميدانية و وسائل إنتاج و إخراج المشروع مع سرد مختلف
العوامل المرتبطة بذلك .
تخطيط إنتاج المشروع
نقوم في هذه النقطة بتوقع المهام و تقديرها مع تحديدها و
تصنيفها حسب الطبيعة ( وظيفية ، مؤقتة ،…)، ثم إسناد المهام
لتحديد المسؤوليات مثلا بالنسبة للمهرجان الوطني للأغنية
البدوية و الشعر الشعبي ، فنقوم بتجميع المهام المتعلقة بتسيير
الميزانية كما يلي:
×
تحصيل الإيرادات عن طريق الرعاية : مهمة مؤقتة تقوم بها
لجنة متكونة من الرئيس،الأعضاء
×
موازنة الإيرادات و النفقات : مهمة مؤقتة يقوم بها المحاسب و
مساعده .
×
و حتى تسهل القراءة و المتابعة و التخطيط ، يستحسن
استخدام المخططات البيانية بمختلف أنواعها .
بنية المنظمة و الموارد البشرية
المنظمة المكلفة بالمشروع ، لديها من الناحية القانونية
هيكل تنظيمي رسمي و تسند لها وظائف معينة ،
و تـختار نمـوذج تسييــر معيــن .
و في هذا الإطار ، ينبغي
تحديد آليات العمل داخل المنظمة كمنظومة اتخاذ القرارات ،
تداول المعلومات ، التنسيق و التنفيـذ و فـض النـزاعـات .
و هناك معايير لدى المنظمة
في تعاملها مع الموارد البشرية كالإندماج السريع في
الفرقة، العمل الجماعي ، المشاركة و نوعية الأعمـال المنجـزة ،
نمـط القيــادة .
مخطط الإتصـال
الدور
الإستراتيجي الذي يلعبه الإتصال في إنجاز المشروع ، يفرض علينا
تعريف و انتقاء الصور المعبرة و المؤثرة في المشروع تجاه
الجمهور و المتعاملين ، كما نحدد العلاقة مع مختلف وسائل
الإعلام الجماهيري و مع أصحاب الرعاية ، كما ينبغي علينا وضع
خطة للتوزيع على حسب أنواعه ( الإعلانات ، اللافتات ، الإشهار
…) مع مراعاة الجمهور ، الوسائل المتاحة في ذلك .
العوامل الهيكلية و الفنية
لإنجاز
المشروع لا بد من حصر العوامل المتعلقة بالهياكل القاعدية و
الوسائل الفنية ، فمن الضروري تحديد
و وصف هذه الهياكل الضرورية و فق مختلف الجوانب و مراحل
المشروع مثل الفضاءات ، التجهيزات ، العتاد التقني ، مع ذكر
كيفيات الإقتنـاء سواء عن طريق الشراء ، الإعارة ،
التبادل أو الكـراء .
العوامل القانونية
المشروع لا بد و أن يكون له إطار قانوني مستمد من
التشريع ، يحدد فيه قواعد تنظيم العمل و
المسؤوليات و العقود المختلفة بيـن جميـع الأطــراف .
العوامل الإقتصادية
أولا لابد
من ضبط و تسيير الميزانية بشطريها : الإيرادات و النفقات
الإيرادات المتوقعة و مصادرها المختلفة من الإستثمار ،
الإعانات ، الهبات، المداخيل المتعلقة بالنشاطات .
النفقات المتوقعة لتسد أجور
الموظفين ، التسيير و التنظيم ، النشاط ، الإتصـال و
التوزيـع ، التأميـن ، فـي أبـواب أخـرى .
و هنا لا مفر من اللجوء في تقدير
الميزانية إلى تجربة السنوات السابقة ، كما ينبغي وضع آليات
لتسيير الإيرادات و النفقات تتماشى و القوانين السارية المفعول
.
مســار التقييـــم
التقييم هو العملية التي نحكم من خلالها على نجاح أو فشل
المشروع .
و هناك عدة طرق للتقييم منها التقييم التجريبي أو
العكسي أو من طرف أصحاب الرأي و الخبراء و هناك أنماط
منها التقييم الداخلي ، الخارجي ، المختلط أو التقييم من طرف
الجمهور .
كما نفرق في التقييم بين تقييم النتائج (
حسب تحقيق الأهداف المسطرة ) و تقييم المسار إحتـرام
المراحل بأهدافها الجزئية ) و تقييم الأثر .
و في خلاصة التقييم ، سنقيم عملية التقييم في حد ذاتها من
حيث تحقيقها للأهداف و الإنسجام
و في الأخير ، نأتي إلى التقييم الإقتصادي - الحصيلة
، فنعرض الحصيلة الإقتصادية للمشروع مع تحليلها و تبرير
الخسائر أو الفوائد ، و سير تمويل المشروع و تحليل تكلفة
المشروع و من ثم عرض النتائج .



